من خزائن ملحمة أكتوبر:الملازم أول احتياط عبد الغني أمين ابن ملوي يروي ذكرياته أثناء الحرب

مشاهدة
أخر تحديث : الأربعاء 17 أكتوبر 2018 - 6:11 مساءً
من خزائن ملحمة أكتوبر:الملازم أول احتياط عبد الغني أمين ابن ملوي يروي ذكرياته أثناء الحرب

أجري الحوار / أحمد سعيد إبراهيم
(لم تكن حرب أكتوبر المجيدة مجرد انتصار حققه الجيش المصري وأعاد به الكرامة والعزة والثقة لنفسه وللشعب المصري والعربي فقط بل تعدي الانتصار مجرد ذلك ليكون ملحمة جسدت كل صفات الشجاعة والإيثار والتلاحم سطرها الشهداء بدمائهم ليرويها زملائهم الأحياء 
(يروي أحد أبطال هذه الملحمة وهو الملازم أول احتياطي عبد الغنى أمين على الشريف 77 عام من مدينة ملوي قصته وذكرياته بعد أكثر من 44 عاما علي الانتصار المجيد قائلا أنه تم تجنيده في 24/ 8/1969 والتحق بكلية الضباط الاحتياط وتخرج منها برتبة ملازم أول باللواء 109 التابع لسلاح المهندسين بالجيش الثالث بمنطقة السويس 
(ويضيف عبد الغنى أن ذكرياته مع حرب أكتوبر وما تحقق فيها من انتصارات بعد هزيمة يونيه 1967 حيث بدأ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بإعادة بناء القوات المسلحة من جديد وقام بتجنيد دفعات من حملة المؤهلات وتوزيعهم على الأسلحة التي تناسب تخصصهم لتحقيق أكبر فائدة في التعامل مع المعدات التي يستخدمونها في الحرب وكان لذلك أثرا كبيرا فى توجيه ضربات موجعة للجيش الإسرائيلي تكبد خلالها العدو خسائر فادحة في المعدات والأفراد أثناء حرب الأستنزاف ثم جاء الرئيس الراحل السادات وكانت خططه تحمل دهاء المحاربين وليس أدل على ذلك من انتظام الأجازات الدورية للضباط والصف والجنود حتى يوم 4 أكتوبر 1973 وكنت أنا واحد من هؤلاء حيث كنت أقضى أجازتي مع أسرتي وجأنى استدعاء يوم 4 أكتوبر وعلى الفور قطعت الأجازة وعدت إلى المعسكر في نفس اليوم وكذلك كانت هناك أستدعاءات لقوات الاحتياط قبل الحرب مباشرة وكان الجنود يرددون أنهم سينتهي استدعائهم يوم 5 أو 6 أكتوبر على أقصى تقدير 
(وأضاف الملازم أول عبد الغنى أن الجنود كانوا صباح يوم 6 أكتوبر يمارسون حياتهم المعتادة ويقومون بنشر ملابسهم على الحبال ويزاولون رياضة كرة القدم مما أوحى باستبعاد حدوث حرب في هذا اليوم 
(أصبت في غارة جوية ) 
(وأشار الملازم أول عبد الغنى لتعرضه للإصابة في غارة جوية على مدرسة بوادي حوف بحلوان وأوضح أن الجيش كان يستخدم مثل هذه المواقع كمستودعات لتخزين المعدات وكنت في مهمة أنا ومجموعة من الجنود لاستلام معدات المهندسين وكان ذلك أثناء فترة حرب الاستنزاف حيث كان الجيش الإسرائيلي يستهدف المواقع الهامة ويقوم بضربها في العمق مثل ما حدث في الغارة على كوبري نجع حمادي الذي تم استهدافه بالصواريخ وكذلك مدرسة بحر البقر فبمجرد أن وطئت أقدامنا المدرسة فوجئنا بصاروخين على المدرسة أحدثوا دويا وتفريغ هواء وانهيار المدرسة بالكامل على من فيها فقمنا بالجري لفناء المدرسة في محاولة للاختباء بالخنادق التي كانت معدة مسبقا لظروف الحرب فسقط جزء من السقف الخرسانى للمدرسة على رأسي ووجهي واعتقدت إنني فارقت الحياة إلا أنني شعرت بالدماء تسيل من وجهي فأخذت أمسح الدماء وهنا أدركت إنني مازلت على قيد الحياة وأنا غير مصدق وتم نقلى لمستشفى وادي حوف وأتذكر إنه أصيب معي في نفس الحادث زميلي المجند شعلان شريف أبوريد وأستشهد مجندين آخرين 
( الاستعداد للحرب )
(وعن بداية حرب أكتوبر يسترجع الملازم أول عبد الغنى الشريف ذكرياته قائلا إننا عرفنا أن مصر ستخوض الحرب يوم الخميس الموافق 4 أكتوبر الساعة 12 ليلا حيث كنا قد انتقلنا قبل الحرب بحوالي أسبوع من منطقة عبيدة إلى منطقة الشلوفه التي 20 كيلو متر من السويس وكان يوجد حاجة أسمها ( تعيينات مشونة ) بالمستودعات لا تصرف إلا في حالة الحرب حيث أستدعانى العقيد محمد سليمان قائد العمليات باللواء 109 مهندسين بصفتي مسئول الشئون الإدارية بذات اللواء الذي يضم كتيبة إنشاءات وكتيبة الألغام وسرية الاستطلاع وقال لي سوف تذهب لصرف قوارب مطاطية وطلمبات وخراطيم ووقود من المستودع فضحكت متعجبا فسألني لماذا تضحك فقلت يافندم الآن الساعة 12 ليلا فأي مستودع يعمل الآن فرد في حزم وصرامة بأن كل شيء معمول حسابه بدقة ووجدت السيارات تحيط بى من كل ناحية وأضاف رئيس العمليات أنت رايح تجيب مؤن القتال وستجد مسئول المستودع في انتظارك وطلب منى أعطية التمام الساعة 8 صباح الجمعة الموافق 5 أكتوبر وكانت الفرحة لا توصف باعتبار أن كل ما تقدم من أوامر يعتبر تحضير لحرب ستقع وذهبت بالسيارات فوجدت ضابط برتبة عقيد ينتظرني وفهمت إنه هو مسئول المستودع ولاحظت أن هناك تسهيلات غير معتادة تتم بعيدا عن الروتين في عملية التسليم والتسلم 
( بداية الحرب والعبور )
(وذكر الملازم أول عبد الغنى أن الجنود الذين كانوا بالمستودع قاموا بتشوين القوارب والطلمبات والخراطيم والوقود داخل السيارات وعدت بها وأصدرت تعليماتي للجنود بالتخلص من جراكن الوقود القديمة خشية اختلاطها بالرمال أو المياه فتعوقنا في عملية إزالة السواتر الترابية أثناء عبور القناة وقمت بتوزيع القوارب والطلمبات والوقود على الجنود وكان محددا لنا 38 فتحة يفصل كل فتحة عن الأخرى مسافة 2 كيلو متر بطول القناة من الضفة الشرقية من بور توفيق بالجيش الثالث حتى منطقة سمارة في حدود الجيش الثاني بالإسماعيلية وكانت هناك فتحات للسيارات وأخرى للمدرعات وأخرى للأفراد ويضم كل قارب 3 أفراد وطلمبتين واحدة أنجليزىة والأخرى ألمانى و16 جركن كيروسين وهى القيمة المقدرة من الوقود التي تكفى لعمل فتحة وتم توزيعهم على الأفراد والمجموعات 
(وفى يوم السبت 6 أكتوبر وكانت الساعة 11 قبل الظهر قام قائد العمليات بتجميع القادة والقي عليهم محاضرة موجزة قال فيها ( إنشاء الله لدينا تعليمات ببداية الحرب وأضاف عندما تشاهدوا الطيران محلقا في الجو معناها الحرب بدأت فسألناه أي طيران يافندم ومن أين يكون اتجاهه قال طبعا سيكون الطيران المصري واتجاهه من الغرب إلى شرق القناة وأنصرف وانتظرنا والدقائق تمر ونحن نتلهف لحظة ظهور الطيران المصري وفى هذه الأثناء كان كل موقع عامل سواتر بشكاير رملية عبارة عن سور بطول القناة على الضفة الغربية وأعطيت تعليماتي بإزالتها بالكامل داخل القناة تمهيدا واستعدادا بإنزال القوارب المطاطية وحوالي الساعة 2 ظهرا شاهدنا تشكيلات الطيران المصري في سماء المنطقة تعبر من غرب القناة لشرق القناة ومن هنا بدأت عملية العبور وبدأ الطيران يغطى سماء المنطقة وفى ذات الوقت صواريخ سام 6 وسام 7 السوفيتية تتصدى لطائرات العدو وشاهدنا رأي العين طيارات العدو من بعد 3 كيلو متر وهى تحترق وتسقط في مياه القناة مثل العصافير وقمنا بالعبور وعمل الفتحات وإزالة السواتر الترابية والتحصينات التي كانت قد أعدتها القوات الإسرائيلية وتمت عملية العبور من الساعة 2 ظهرا حتى بعد العصر في سهولة تامة إلا أننا تعطلنا بعض الوقت بسبب الطين الذي خلفته مياه الطلمبات فطلبوا منا الصلاة من أجل الدعاء والابتهال إلى الله بتسهيل عملية العبور وهذا ما حدث بالفعل 
(كنت ضمن المجموعة التي عبرت القناة بعد آذان العصر )
(ويضيف الملازم أول عبد الغنى إنني كنت ضمن المجموعة التي عبرت القناة بعد آذان العصر ويقدر عدد المقاتلين الذين عبروا إلى الضفة الشرقية من القناة بـ60 ألف مقاتل وكنا نحارب في أمان تام كما لو كنا في حفل منظم وكبير وعلمنا من خلال الإحصائيات التى كانت توزع علينا أن ال3 أيام الأولى من الحرب كانت نسبة الخسائر في القوات المصرية لا تتعدى 1% وأستمر الحال أيضا أيام 9 و10 و11 و12 و13 أكتوبر إلى أن حدثت الثغرة يوم 14 أكتوبر والثغرة هي المنطقة الفاصلة بين الجيش الثالث والجيش الثاني مساحتها 2 كيلومتر حدثت بعد أن تدخلت أمريكا والتكنولوجيا الأمريكية حيث استولت قوات العدو على تبة جنيفة القريبة من الإسماعيلية وتم تطويقها ووصلوا إلى مدخل السويس حتى شارع الأربعين وتمكنت المقاومة الشعبية والجنود من إيقاف زحف القوات الإسرائيلية إلى داخل السويس ومن هنا أصبحت القوات المصرية الموجودة شرق القناة والتي تقدر ب60 ألف مقاتل أصبحوا محاصرين لا يستطيعوا التقدم حيث أمامهم اليهود ولا يستطيعوا التقهقر حيث توجد على الضفة الغربية القوات الإسرائيلية وفى خلال تلك الفترة حدث مناوشات واشتباكات بسيطة بيننا وبين القوات الإسرائيلية وكان الطيران الأسرائيلى يسقط علينا قنابل بمجرد انفجارها على الأرض يخرج منها 300 بلية وهى عبارة عن شظايا والعجيب أن هذا الأمر تكرر أمامي كثيرا أنا وزملائي ولكننا لم نصب فى أى مرة من المرات بطلقة واحدة من هذه القنابل رغم تناثرها فى أماكن منتشرة وحاولت إسرائيل استغلال الثغرة لتحقيق مكاسب وفى ذلك الوقت لم يكن موجود غطاء جوى شرق القناة فكانت تحدث خسائر مابين كل يوم أو يومين وبدأ الطعام في النفاذ وانقطعت الاتصالات بالقيادة بالقاهرة تماما وأثناء فترة الحصار واجهتنا مشكلة الطعام فكانت تقوم الجنود بالبحث عن الطعام في الأماكن التي قمنا بالاستيلاء عليها بالضفة الشرقية وتحريرها وقامت القوات الإسرائيلية من جانبها بقصفها بالصواريخ والمدفعية وبدأنا نأكل وجبة واحدة بدلا من 3 وجبات ثم بعد ذلك ربع رغيف في اليوم بدلا من نصف رغيف وأستمر الحال ونحن في الحصار من 14 أكتوبر حتى 2 فبراير 1974 إلى أن جاءت المباحثات عند الكيلو 101 والتي انتهت إلى وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الإسرائيلية من غرب القناة وبالرغم من ذلك كنا نتعرض لمضايقات من جانب القوات الإسرائيلية على سبيل المثال كانوا يقوموا بفتح صفائح العسل أو الجبن أو المربى بسنكى البندقية عندما كان يصلنا التعيين لاستفزازنا وإثارة المشاكل معنا 
( الطريف أن الملازم أول عبد الغنى عندما تم فك الحصار وعاد لصرف مرتبه عن الشهور الماضية وقت الحصار وجد أمام أسمة في كشف القبض مفقود 
(يذكر أن الملازم أول عبد الغنى أمين لدية 5 أولاد الأولي أميمه أبنته الكبرى مدرسة علوم والتي ولدت يوم 25 سبتمبر 1973 ومن الطريف أن الأسرة أجلت عمل السبوع الخاص بها حتى عودة والدها من الحصار في شهر فبراير 1974 والدكتور محمود الشريف جراح القلب وأمين محاسب ومنال مدرسة رياضيات وفاطمة ليسانس لغة عربية

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة فرسان الميدان الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.