الشيخة فرحات

مشاهدة
أخر تحديث : السبت 7 يناير 2017 - 5:25 مساءً
الشيخة فرحات

بقلم: حنان الشيمي

كانت الصورة على الجدار تعكس هيبة صاحبها قويًا حازمًا يرتعد الجميع حين يسمع صوته فهو كبير القرية صاحب المشورة والمكانة المرموقة، يملك السطوة والنفوذ، يخشاه الجميع ويهابه الكبير والصغير، شخصيته الطاغية تجعل نظرة واحدة من عينيه الحادتين كفيلة بأن تجعل الرجال يتسمّرون في أماكنهم ..
نظرت إليها بحزن وكأنها تشاهد فيلمًا سينمائيًا مرّت الذكريات أمام عينيها في مشهد مهيب، في منزل فخم يختلف عن باقي منازل أهل القرية الفقراء، أرقى من منزل العمدة وشيخ البلد، ففيه تُعقد الاجتماعات، هو مكان الحل والعقد، البيع والشراء، مجالس الصلح، الزواج ..
لا شيء يتم إلا لدى الشيخ فرحات، يؤم المصلين في صلاة الجمعة يلقي خطبته ويعطي درس الأربعاء، يزوج الشباب ويفصل في المنازعات، تُقدم الشكاوى له ويقوم بدور القاضي يحكم بين الناس في الخلافات .
كانت تحاول أن تلمس بعينيها ما يختبئ خلف تقاسيم وجهه، تتحسسها كمن يلمس جناح فراشة يخشى عليها التلاشي والضياع، تأكدت أنها أمام صورته بلمسة حانية لم تدر أشفقة هي أم لوم وعتاب؟!، حيث يتوارى الموات هناك رقدت جثته بينما ما صنعه بقي حيًّا والشاهد هي “الشيخة فرحات” .. كما لقبّها أهل القرية
كانت الشمس تطبع أولى قبلاتها على القرية عبر الحقول الواسعة، وسنابل القمح تمتد بلونها الذهبي الرائع على الأراضي الزراعية تتمايل مع نسمات الهواء كلوحة فنية بديعة من صنع الخالق -سبحانه وتعإلى-، تجربتها قاسية لكنها أحبت اللعبة وغرقت فيها حتى النخاع، تقمّصت دور البطل بكل شغف، انغلقت إرادتها وتواطأت عليها كل الأحداث فزادت وحشتها وأصبحت كمهرة أفلت لجامها، وكانت مقيدة بألف قيد، دوامات ألم لا تقوى على احتماله تكتم صرخاتها في أنَّات مكتومة، تستعيد مشاهد من حياتها قابعة في ركن خفي من ذاكرتها، تستثيرها فتنهال عليها وتتدفق مؤججة مشاعرها، أنهكتها الذكريات وأعياها طول الصبر والأمل، ولكنها تعود إلى واقعها فتغرق في ليل مظلم كئيب.
أب حلمه أن يكون له ولد يرث الأرض ويتولى زمام الأمور، وبعد أعوام من الانتظار جاءت هدى -كما أسمتها أمها- صُدم الشيخ فرحات ونقم عليها وعلى والدتها التي لم تعش طويلًا، رحلت بعد ثلاثة أعوام كانوا أجمل ما في عمرها بل كل عمرها ..
لم تشعر قط أنها صغيرة فقد وُلدت عجوزًا
أب قاسٍ غليظ لا همَّ له سوى جمع المال، كلما رآها تحسر على حظه وتمتم بكلمات الخيبة والندامة، بينما هي تريد أن تصرخ: لست عارًا ،ولا سُبَّة يحق لك أن تفخر بي، ومما زاد ألمها ابتعاد الجميع عنها، قريناتها يلعبن يمرحن يتجاذبن أطراف الحديث، بينما هي محرم عليها كل شيء اللعب، اللهو، حاولت الاقتراب منهن، لم تجد سوى الصد، كن يخفنها كسائر أهل القرية، بعضهم يبتعد عنها مهابة والبعض خوفًا، لم تدر ما سر هذا الخوف حتى سمعت ذات مرة حوارًا دار بين والدها وعمدة القرية
لم تتلصص بل وصل إلى غرفتها صوت شجارهما لم تدرك مغزى الحوار ولكن ما فهمته ان والدها فاسد جشع يتآمر مع عمدة القرية ليسرق أقوات الفلاحين
أهل القرية بسطاء سحقهم الفقر والمرض بينما يطاردهم هو وزبانيته ليمتصوا ما تبقى من دمائهم طمعًا في المزيد من المال، ويزداد حنقها على الجميع، وكانت جملة والدها ترن في أذنها كل لحظة اعتاد تكرارها في نهاية كل حديث: “ربنا رزقني ببت، اومال مين هيورث المال والطين دا كله حكمتك يارب”
وتمر الأيام وتكبُر هدى .. هدى لم ينادها أحد بهدى سوى والدتها وابن خالتها إبراهيم الذى أحبها في صمت مشاعرها تجاهه فكانت كأرض بكر أصابت عذب مطر فأثمرت وأينعت، قلبها يرقص حين تراه وتتهلل أساريرها، ترتبك وتتلعثم الكلمات على شفتيها حين يحادثها ويرتجف جسدها ولكن كالعادة الأمنيات عليها مستحيلة ..
حين تشجع خالها وطلب يدها من الشيخ فرحات لابنه إبراهيم ثار الشيخ واتهمهم بالطمع في ماله وأرضه وطرده شر طردة.
تحطَّم قلبها قبل أن يعرف معنى الفرحة، ذُبح حلمها قبل أن ينضُج ويكتمل ازداد شحوبها وطال نحيبها وغدا قلبها مقبرة أزهقت على أعتابها أمنيات بكر، وابتعد ابراهيم بأمر والده الذي خاف عليه بطش الشيخ فرحات فسافر بعيدًا وعلمت فيما بعد أنه استقر وتزوج وأنجب فغلف قلبها حائط من الجليد صعب الذوبان
نقمت على كل شيء حولها .. والدها … ماله… أرضه … نفوذه … أهل القرية.
تجبرت كما تجبر والدها، ارتدت ثياب القسوة وكم كانت سعادته وهو يراها تسير على خطاه، شهد ميلاد طاغية ستتولى العرش بعده كما كان يتمنى وبدا يشجعها ويحفزها، وأعلن للجميع أن ابنته ستتولى الأمر من بعده حتى اذا أتاه المرض كان يجلسها مكانه في مجالس الكبار بينما هو مطأطئ الرأس لها معلنًا الانصياع والإذعان لكبيرة القرية الشيخة فرحات، أزاحت رأسها للوراء وكأنها تنفض عنها الذكريات التي تطاردها، وسمعت صوتًا كان غائبًا عنها .. إنه صوت إبراهيم
استدارت وقد دارت بها الدنيا تكاد تسقط على الأرض ولا تقوى قدماها على حملها، اقترب اكثر وحيَّاها واستجمعت قواها وبادلته التحية بينما نظرات والدها في صورته على الجدار تمزقها، استعادت رباطة جأشها واستقبلته بابتسامة باهتة
بينما مشاعرها متضاربة فرح، لوم، حسرة، شوق، ماهذا أين هيبتى ووقاري؟ رجل يفعل بي ذلك؟
لا .. وانتفضت واقفة كالجبال الشم وتمتمت: كيف حالك يا إبراهيم؟
رد عليها : الحمدلله، كيف حالك أنتِ ياهدى؟
وهنا توقف الكون وخيَّم الصمت، هدى ..لقد نَسِيَت أن اسمها هدى!
رفعت رأسها في حزم رغم ألم يمزق أحشائها، لتقاطع حديثه وتخرس صوته، ولكن لا مجال للتراجع لقد عُجن قلبها بالقسوة في عالم لا يعرف الرحمة، صار ت كالصخر، وبادرته بتحدٍ: الشيخة فرحات يا إبراهيم
وكأنها تهرب منه ومن نظراته استدارت سريعًا وجلست على مقعد الحكم .. عندك مشكلة ؟؟ المجلس سيُعقد حالًا
دعت الجميع للدخول وبدأ مجلس الشيخة فرحات يشهد جولة اخرى في صراع لن ينتهي.
…….

 
رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة جريدة فرسان الميدان الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.